المقريزي
68
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن )
الأعمال ، ومنع المتقبّلين من الفسخ على المزارعين ، وحظر « ( a » الارتفاق على العمّال . وكان قبل إسقاط المرافق بمصر قد شاور عبد اللّه بن دشّومة « 1 » في ذلك - وهو يومئذ أمين على أبي أيّوب متولّي الخراج - فقال : إن أمّنني الأمير تكلّمت بما عندي . فقال له : قد أمّنك اللّه عزّ وجلّ . فقال : أيّها الأمير إنّ الدّنيا والآخرة ضرّتان ، والحازم من لم يخلط إحداهما مع الأخرى ، والمفرّط من خلط بينهما فتتلف أعماله ويبطل سعيه . وأفعال الأمير - أيّده اللّه - الخير ، وتوكّله توكّل الزّهّاد ، وليس مثله / من ركب خطّة لم يحكمها . ولو كنّا نثق بالنّصر دائما طول العمر لما كان شيء عندنا آثر من التّضييق على أنفسنا في العاجل بعمارة الآجل ، ولكن الإنسان قصير العمر كثير المصائب ، مدفوع إلى الآفات . وترك الإنسان ما قد أمكنه وصار في يده تضييع ، ولعلّ الذي حماه نفسه يكون سعادة لمن يأتي من بعده ، فيعود ذلك توسعة لغيره بما حرمه هو . ويجتمع للأمير - أيّده اللّه - بما قد عزم على إسقاطه من المرافق في السّنة بمصر دون غيرها مائة ألف دينار ، وإن فسخ ضياع الأمراء والمتقبّلين في هذه السّنة ، لأنّها سنة ظمأ توجب الفسخ ، زاد مال البلد ، وتوفّر توفّرا عظيما ينضاف إلى مال المرافق ، فيضبط به الأمير - أيّده اللّه - أمر دنياه . وهذه طريقة أمور الدّنيا وإحكام أمور الرّئاسة والسّياسة ، وكلّ ما عدل الأمير - أيّده اللّه - إليه من أمر غير هذا فهو مفسد لدنياه . وهذا رأيي ، والأمير - أيّده اللّه - على ما عساه يراه . فقال له : ننظر في هذا إن شاء اللّه . وشغل قلبه كلامه ، فبات تلك الليلة بعد أن مضى أكثر اللّيل يفكّر في كلام ابن دشّومة ، فرأى في منامه رجلا من إخوانه الزّهّاد بطرسوس وهو يقول له : بئس « ( b » ما أشار به عليك من استشرته في أمر الارتفاق والفسخ برأي تحمد عاقبته فلا تقبله ، ومن ترك شيئا للّه - عزّ وجلّ - عوّضه اللّه عنه ، فأمض ما كنت عزمت عليه « 2 » . فلمّا أصبح أنفذ الكتب إلى سائر الأعمال بذلك ، وتقدّم به في سائر الدّواوين بإمضائه ، ودعا بابن دشّومة فعرّفه بذلك . فقال له : قد أشار عليك رجلان ، الواحد في اليقظة والآخر ميّت في
--> ( a بولاق : وخطر . ( b بولاق : ليس . ( 1 ) لم تذكر المصادر من اسم عبد اللّه بن دشّومة سوى هذا القدر ( المقريزي : المقفى الكبير 4 : 398 - 400 ) . ( 2 ) البلوي : سيرة أحمد بن طولون 73 - 74 ؛ ابن عبد الظاهر : الروضة البهية 77 - 78 ؛ المقريزي : المقفى الكبير 4 : 398 - 399 ؛ أبو المحاسن : النجوم الزاهرة 3 : 9 - 10 ( عن خطط ابن عبد الظاهر ) ، وقارن مع ابن سعيد : المغرب في حلى المغرب ( قسم مصر ) 85 - 86 .